جلال الدين السيوطي

178

الإتقان في علوم القرآن

والثاني : أن يكون على عكس ترتيبه ، كقوله : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ [ آل عمران : 106 ] . وجعل منه جماعة قوله تعالى : حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [ البقرة : 214 ] قالوا : مَتى نَصْرُ اللَّهِ : قول الذين آمنوا . أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ : قول الرسول . وذكر الزمخشريّ « 1 » قسما آخر ؛ كقوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ الروم : 23 ] . قال : هذا من باب اللفّ ، وتقديره : وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إلا أنه فصل بين مَنامُكُمْ و وَابْتِغاؤُكُمْ بالليل والنهار لأنهما زمانان ، والزمان الواقع فيه كشيء واحد ، مع إقامة « 2 » اللفّ على الاتحاد . [ المشاكلة ] المشاكلة : ذكر الشيء بلفظ غيره ، لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا . فالأول : كقوله تعالى : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [ المائدة : 116 ] ، وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [ آل عمران : 54 ] . فإنّ إطلاق النفس والمكر في جانب البارئ تعالى إنما هو لمشاكلة ما معه « 3 » . وكذا قوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] لأنّ الجزاء حقّ لا يوصف بأنه سيّئة . فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [ البقرة : 194 ] الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ [ الجاثية : 34 ] ، فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [ التوبة : 79 ] ، إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 14 ، 15 ] . ومثال التقديريّ : قوله تعالى : صِبْغَةَ اللَّهِ [ البقرة : 138 ] أي : تطهير اللّه ؛ لأنّ الإيمان يطهّر النفوس ، والأصل فيه : أنّ النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمّونه المعموديّة ، ويقولون : إنّه تطهير لهم ، فعبّر عن الإيمان ( بصبغة اللّه ) للمشاكلة بهذه القرينة .

--> ( 1 ) الكشاف 3 / 218 . ( 2 ) في الكشاف 3 / 218 إعانة . ( 3 ) انظر « الصفات » للحافظ عبد الغني ص 86 - 87 بتحقيقنا ، ومختصر الصواعق المرسلة .